إخواننا في الله تعالى، البررة الأجلة، من نرجو لهم من ربنا علام الغيوب، أن تحفهم ألطاف خالقهم، ورعاية بارئهم، سادتنا فقراء الطريقة الكتانية، ومريديها والمنتسبين إليها ومحبيها، حفظكم الله ورعاكم، وحرسكم بعينه التي لا تنام، وبكنفه الذي لا يضام، وأدام علينا وعليكم نعمه الظاهرة والباطنة، وثبتنا في بابه، وجمع قلوبنا وقلوبكم عليه، وألف بينكم حتى تكونوا كلمة واحدة، وعلى قلب رجل واحد.

 

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ما قال مِؤمن ربي الله ثم استقام.

           عن خير ظل الله في الأرض، مولانا الإمام المؤيد بالله، دام عزه وعــلاه.

 

بحلول ذكرى مولد خير البرية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، نرى أن نذكركم أيها الإخوة الأجلاء، بإن موسم الطريقة الكتانية الأكبر، يتزامن مع ذكرى مولد الرسول الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم،وقد وقع اختيار الشيخ المؤسس رضوان الله عليه على هذه المكرمة، لكون الطريقة الكتانية شيدها مولانا الجد سيدي محمد الكتاني طيب الله ثراه، على الإستقامة والتوبة والتقوى، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، و جعل من العقيدة الإسلامية الوسطية، والتربية الروحية، والهداية الأخلاقية، والترقية السلوكية، وتجديد الفقه الإسلامي عمودها الفقري، ومن الوفاء لثوابت الأمة عقيدة ومذهبا وسلوكا روحيا وولاء لإمارة المؤمنين هدفها الأسمى، سيرا على منهج التصوف السني المتشبث بالسنة النبوية الغراء. فر حم الله مولانا الجد، ابو الفيض الشيخ سيدي محمد الكتاني، وجزاه الله بما يجزي به عباده المتقون، الذي وفقه الله لاستلهام أركان الطريقة الكتانية وعهودها ومعالمها الصوفية من القرآن الكريم، ومن السنة النبوية المطهرة، استنباطا من قول الله تعالى

 

 

 

"وأن لواستقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه،

ومن يعرض عن ذكر ربه نسلكه عذابا صعدا"

 

أيها الأخوة المؤمنون، أيها الحضور الكريم :

 

إن الأيام الفاضلة ، والذكرى الجليلة ، التي نعيشها في هذا الشهر الكريم، لتذكرنا بأيام الله ، وبأمجاد الإسلام ، وبأيام تاريخية عظيمة , شع فيها نور بشائر الإسلام على الوجود، بمولد خير البرية , النبي الأفخم , الهادي الأكرم ، رسول رب العالمين للخلق أجمعين ، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .إنها أيام مباركات ، تمتلئ فيها قلوب المؤمنين بالخشوع والمحبة الصادقة لخير البرية.

"قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم، والله رحيم"،               "قل أطيعوا الله والرسول".

أيها الإخوة المؤمنون:

من إشراقات ذكرى المولد النبوي الشريف، لكم تحية،

 

ومن نفحات ربكم الرحمن الرحيم تحية

 

     "ســلام قـولا مـن رب رحـيـم"

إن حب مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته، يجب أن يتجلى في الانقياد إلى كل ما أمر به، والامتناع عن كل مانهى عنه، والقيام بكل ماجاء به في السيرة النبوية المطهرة، في جميع أقوالنا وأفعالنا وفي عباداتنا. على أن يتمثل ذلك في سلوكنا وفي جميع مناهج حياتنا الظاهرة والباطنة، مع إيثاره صلى الله عليه وسلم على كل ماسواه، امتثالا لقول الله تعالى في محكم كتابه:                                       

"النبيء أولى بالمومنين من أنفسهم"

 

وإن حب رسول الله ، والاحتفاء بمولده الشريف كذلك، يعني : الالتزام بالشريعة الإسلامية الغراء في كل مناحي الحياة ، والتمسك بالسنة المطهرة ، والعض عليها بالنواجذ ، وبالدعوة إلى جمع الشمل ، ونبذ التفرقة ، ونصرة المظلوم ، والتقيد بأوامر الله ، واجتناب نواهيه في حياتنا وسلوكنا بصفة عامة ، كي يطبع النهج العملي للإسلام أعمالنا ، في البيت والمدرسة والشارع ، وفي سائر مرافق حياتنا ، حتى يصبح ديننا الإسلامي الحنيف هو الغالب بأمر الله ، لأن للبيت ربا يحميه ، كما كان الأمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم،وعلى عهد صحابته والتابعين،رضي الله عنهم أجمعين ، حتى نجعل من رسولنا الأعظم المثل الأعلى والقدوة المثلى للمسلم الصادق الذي جعل من سيرة نبيه عليه السلام ، التطبيق الفعلي للشريعة الإسلامية ، ومثلها العليا ، فيصدق علينا قول الله تعالى :

 

"كنتم خير أمة أخرجت للناس ، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ."

 

وعليه، فاحتفال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بهذه الذكرى المجيدة، يجب أن يرتكز على التذكير بالمثل العليا للإسلام وأهدافه السامية، والحث على مراجعة الأمة الإسلامية لسيرتها الذاتية، وسلوكها في التربية الروحية والهداية الأخلاقية،’وتجديد لإيمانها بهدي القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، تماشيا مع روح العقيدة الإسلامية السمحة، التي تحث المسلمين في جميع بقاع الأرض، على فعل الخيرات، والتسامح والتعايش، وحسن المعاملة، وطيب الكلام، والمحبة والإخاء،

 

تجسيدا لقول الله تعالى:

"لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر

وذكر الله كثيرا"

بمعنى ألا يكون للمسلم حكم على نفسه، مع حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم." فلا وربك لايومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما" بل إن الحياة كلها تعد هينة رخيصة بجانب تحكيم مافرضه الله ورسوله، وإن كان ذلك على عكس رغباتنا وشهواتنا وتطلعاتنا. وهنا يكمن السر في عز المؤمنين وسؤددهم وقوتهم ومناعتهم ومجدهم.

يقول الله عز وجل: "قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لايهدي القوم الفاسقين"

ويقول المتبوع الأعظم، والرسول الأفخم، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في هذا السياق:

"لايومن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين".

أيها الإخوة المؤمنون،

إن محبة رسول الله، يجب أن ترقى إلى أعلى الدرجات في المحبة والوفاء، وأن تكون في غاية السمو والرفعة لدى جميع المؤمنين الصادقين حتى ترتقي على جميع الرغبات وشهوات النفس، وعلى كل مانحب ونتمناه. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. روى الإمامان البخاري ومسلم، عن مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ،متى الساعة؟ "فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

ماذا أعددت لها

فقال الرجل: ما أعددت لها من كثير صلاة ولاصوم ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله.

"فأجابه صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت".

 

والخلاصة ،فإن أيام المولد النبوي الشريف ، التي يغمرنا موسمها النوراني كل سنة بعطاآته الربانية، هي أيام عزة لنا وبركات وسؤدد،إذا ماأنزلنا فيها أنفسنا الدرجة الرفيعة ، التي يريدها خالقنا لنا سبحانه، حين جعل من آية الصلاة على النبي عليه السلام في القرآن الكريم ، آية شرف له صلى الله عليه وسلم قيد حياته، وآية كرامة له ومجد من بعد وفاته ، ثم جعلها عز وجل من بعد هذا كله ، آية باقية إلى يوم الدين، رفع بها من قدر المؤمنين والمؤمنات ، من أمته صلى الله عليه وسلم حين أشركهم في فضيلة هذه الصلاة المقدسة ، التي يصليها الباري عز وجل في السماوات العلا على نبيه ورسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وتصليها ملائكة الرحمان عليه في الملإ الأعلى، ثم نادى إليها المقربين من عباده المؤمنين، أمرا باقيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها في قوله تعالى : " إن الله وملائكته يصلون على النبي ، ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما."

 

اللهم صلّ على سيدنا ومولانا أحمد، سرّ الذات، ولوح التشكلات،

وعلى آله وصحبه وسلم.

فالصلاة على سيدنا محمد من أفضل العبادات، إنها ذكر من أفضل الذكر، إنها قربة من أفضل القربات، إذ صلاة المؤمنين والمؤمنات على رسول الله صلى الله عليه وسلم، معناها : قيامهم بوظائفهم الشرعية خير قيام، وأداؤهم لمهامهم الدينية خير أداء، إتباعا لأوامر الله، واجتنابا لنواهيه.

 

إخواننا في الله ومحبينا من أجله

 

إنها لفرصة تاريخية عزيزة، تجعل من استمرار اقتران الإحتفال بذكرى المولد النبوي، والإحتفال بالموسم السنوي الأكبر في مناسبة واحدة، ضرورة دينية وثقافية واجتماعية ووطنية ملحة، والحرص على الإحتفال بذكراهما كلما حان موعدهما لأن الهدف واحد.

"اللهم أتم علينا نعمتك، وانشر علينا رحمتك،وأدخلنا اللهم بفضلك جنتك، إنك سميع مجيب".

 

وأغتنم هذه الليلة المباركة، وفي هذا المقام الطاهر لأرفع للجناب الشريف، أمير المؤمنين، جلالة الملك، سيدنا محمد السادس، أصالة عن نفسي ونيابة عن سائر فروع زوايا الطريقة الكتانية بالحواضر والبوادي في مجموع تراب المملكة المغربية، بجميع مكوناتها من مقدمين، وفقهاء ومريدين، ومنتسبين ومحبين، عن الأسرة الكتانية بمختلف شرائحها، شيبا وشباب، بنين وحفدة، أسمى آيات الولاء والإخلاص، والوفاء الصادق، المشفوعين بالولاء المستديم، والمحبة الخالصة، وامتنان الطريقة الكتانية وشكرها الجزيل لمولانا أمير المؤمنين، على رعاية جلالته السامية لها، سائلين المولى عز وجل، أن ينصر مولانا أمير المؤمنين نصرا عزيزا مؤزرا، ويديم على جلالته نعمة الصحة والعافية، ويحفظه بما حفظ به السبع المثاني، والقرآن العظيم، ويجعل روح القدس معه في حله وترحاله، وفي جميع حركاته وسكناته، وأن يبقيه المولى ذخرا للبلاد، وملاذا للعباد، قرير العين بصاحب السمو الملكي، ولي العهد المحبوب، وبكريمته صاحبة السمو الملكي الأميرة الجليلة للا خديجة، أنبتهما الله نباتا حسنا في كنفه الرضي، ويشد أزره بصنوه السعيد صاحب السمو الملكي الأمير الجليل المولى الرشيد وبشعبه المغربي النبيل سميعا لكلماته فخورا بإنجازاته ملتفا حول عرشه مستطلا بظله، محتميا بحماه. إن ربنا لسميع الدعاء.

اللهم اجعلنا نخشاك كأننا نراك، وطهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الريّاء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، إنك على كل شيء قدير.

اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بِـِرّ، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة، والنجاة من النار.

اللهم صل على سيدنا محمد صلاة تحل بها عقدنا وتفرج بها كربنا وتقضي بها حوائجنا وتحفظنا بها منكل سوء.

وصل اللهم بجودك وسلم على نور الهدى سيدنا ومولانا أحمد، صلاتك العظمى وسلامك الأقوم، على قدر ماهو أهله، بما هو أهله. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

                                                                     شيخ الطريقة الكتانية

                                                      عبد اللطيف الشريف الكـتـانـي

معالم الطريقة الكتانية المرشد المعين في الدلالة على أصولها وأورادها