كلمة شيخ الطريقة الكتانية

 

الأستاذ عبد اللطيف الشريف الكتانـي

 

بمناسبة احتفال الطريقة الكتانية بموسمها السنوي الأكبر في 06 ربيع الأول من كل عام،

 

الذي يقترن واحتفالها بمولد الرسول الأعظم، والنبي الأفخم

سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

 

باسم الله الرحمن الرحيم               والصلاة والسلام على سيدنا محمد المصطفى الأمين

 

أيها الإخوة المؤمنون، أيها الحضور الكريم        

 

   من إشراقات المولد النبوي الشريف، لكم تحية

                          ومن نفحات ربنا الرحمن الرحيم ألف تحية

  "ســلام قـولا مـن رب رحـيـم"

 

          بحلول الطلعة النورانية لشهر ربيع الأول، عام ثمانية وثلاثين بعد الأربعمائة والألف من الهجرة، تعُمّ مشارق الأرض ومغاربها نفحات قدسيات، تربط قلب المؤمن بالله، وتجدد صلاته الروحية مع خالقه، وتردّه ردّا جميلا إلى شريعة القرآن، في عيد مولدك يا خير الأنام، تنبعث الآمال قوية في نفوس المؤمنين، تَـنـْزِل السكينة على القلوب، تُضْفى الطمأنينة على الأفئدة، تَـنفِض عن العقول غبار التخلف والضياع، تُخرجنا شمائلك النبوية، وسنتك المطهرة، يا سيدي يا رسول الله، من ظلمات الجهالة والضلال، إلى ضياء الحق ونور الإيمان، فتسمو الأرواح : "قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام..."(سورة المائدة، الآيتان 17 و18)"

 

إن الأيام الفضيلة، التي نعيشها في هذا الشهر الكريم، لتذكرنا بأيام الله، وبأمجاد ديننا الحنيف، شعّ فيها نور بشائر الإسلام على الوجود، بمولد خير البرية، رسول رب العالمين للخلق أجمعين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. إنها أيام مباركات ، تمتلئ فيها قلوب المؤمنين بالخشوع والمحبة لخير البرية.        "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله" (سورة آل عمران، الآية 31 )

 

إن الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف والحبّ لمولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، معناه، الالتزام بالشريعة الإسلامية في كل مناحي الحياة، والتمسك بالسنة النبوية الطاهرة، وبالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والتقيد بأوامر الله عزّ وجلّ، واجتناب نواهيه في جميع مراحل حياتنا، وسلوكنا، ومعاملاتنا بصفة عامة، كي يطبع النهج العملي للإسلام الوسطي أعمالنا، في الـبـيـت، وفي المدرسة، وفي الفضاء العام، كما كان الأمر على عهد مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى عهد صحابته الأخيار، رضي الله عنهم أجمعين، جاعلين من رسولنا سيدنا محمد، المثل الأعلى، والقدوة المثلى، للمسلم الصادق، الذي جعل من سيرة نبيه ورسوله عليه السلام، التطبيق الفعلي للشريعة الإسلامية، وقيمها العليا، تجسيدا لقول الله تعالى:  "كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر  وتؤمنون بالله"   (سورة آل عمران، الآية 110)

 

فاحتفال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بهذه الذكرى المجيدة، يجب أن يرتكز على التذكير بالمثل العليا للإسلام وأهدافه السامية، والحث على مراجعة الأمة الإسلامية لسيرتها الذاتية، وسلوكها في التربية الروحية والهداية الأخلاقية،’وتجديد لإيمانها بهدي القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، تماشيا مع روح العقيدة الإسلامية السمحة، التي تحث المسلمين في جميع بقاع الأرض، على فعل الخيرات، والتسامح والتعايش، وحسن المعاملة، وطيب الكلام، والمحبة والإخاء، تجسيدا لقول الله تعالى: "لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة"(سورة الأحزاب، الأية21)

 

لقد تظافرت أيها الإخوة المؤمنون، عوامل التطور في عالمنا المعاصر، ومستجداته المتسارعة، وأحداثه المتوالية، على إبعادنا عن أنفسنا وعن قيمنا، وعن مقومات هويتنا الإسلامية الأصيلة، وعن تاريخنا المجيد، وعن مرتكزات حضارتنا العريقة. ولعله قد آن الأوان لأن تغتنم الأمة الإسلامية، مناسبة إشراق أنوار الحقيقة الأحمدية على الوجود، في هذه الأيام المباركات، لفتح آفاق الحوار الجاد، على مختلف المستويات، وعلى نطاق واسع، وبكامل العناية والرفق، وغاية الرحمة والود، بين جميع أطياف الأسر المسلمة، وكافة شرائح المجتمع الإسلامي، في مسامرات، ومحاضرات، وموائد مستديرة، للعودة بـنـا، وبأجيالنا الصاعدة، إلى منطلقاتنا الإسلامية الثابثة وقيمنا الحضارية النبيلة، جاعلين نصب أعيننا قول اللـه عـز وجـل:     "إن اللــه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".(سورة الرعد، الآية 12)

 

إن أيام المولد النبوي الشريف، التي يغمرنا موسمها النوراني كل سنة بعطاءاته الربانية، هي أيام عزة لنا وبركات وسؤدد، إذا ما أنزلنا فيها أنفسنا الدرجة الرفيعة، التي يريدها خالقنا لنا سبحانه، حين جعل من آية الصلاة على النبي عليه السلام في القرآن الكريم ، آية شرف له صلى الله عليه وسلم قيد حياته، وآية كرامة له ومجد من بعد وفاته ، ثم جعلها عز وجل من بعد هذا كله، آية باقية إلى يوم الدين، رفع بها من قدر المؤمنين والمؤمنات، من أمته صلى الله عليه وسلم، حين أشركهم في فضيلة هذه الصلاة المقدسة ، التي يصليها الباري عز وجل في السماوات العلا على نبيه ورسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وتصليها ملائكة الرحمان عليه في الملإ الأعلى، ثم نادى إليها المقربون من عباده المؤمنين، أمرا باقيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها في قوله تعالى :" إن الله وملائكته يصلون على النبي ، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما".

اللهمَّ صلِّ على من رُوحُه محرابَ الأرواح والملائكة والكون.

اللهمَّ صلّ على مَن هو إمام الأنبياء والمرسلين.

اللهُم صل على من هو إمام أهل الجنة عباد الله المؤمنين، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

    أيها المؤمنون، ايها الحضور الكريم

 

       مما هو معلوم، فإن موسم الطريقة الكتانية، يتزامن واحتفالها بمولد الرسول الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ووقع اختيار الشيخ المؤسس على هذه المكرمة، لكون الطريقة شيدها طيب الله ثراه، على التوبة والتقوى والاستقامة، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، و جعل من العقيدة الإسلامية الوسطية، والتربية الروحية، والهداية الأخلاقية، والترقية السلوكية، وتجديد الفقه الإسلامي عمودها الفقري، ومن الوفاء لثوابت الأمة عقيدة ومذهبا وسلوكا روحيا وولاء لإمارة المؤمنين هدفها الأسمى، سيرا على منهج التصوف السني المتشبث بالسنة النبوية الغراء. فرحم الله مولانا الجد، أبو الفيض الشيخ المؤسس سيدي محمد الكتاني، وجزاه الله بما يجزي به عباده المتقون، الذي وفقه الله لاستلهام أركان الطريقة الكتانية وعهودها ومعالمها الصوفية من القرآن الكريم، ومن السنة النبوية المطهرة، استنباطا من قول الله تعالى :

"وأن لواستقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه،

ومن يعرض عن ذكر ربه نسلكه عذابا صعدا  "( سورة الجن، الآيتان: 16 و17)

 

   مغتنما جمعنا الميمون في هذه الليلة المباركة، وفي هذا المقام الطاهر، لأرفع لمقام الجناب الشريف، مولانا أمير المؤمنين، جلالة الملك، سيدنا محمد السادس، أصالة عن نفسي ونيابة عن سائر فروع زوايا الطريقة الكتانية بالحواضر والبوادي في مجموع تراب المملكة المغربية، بجميع مكوناتها من مقدمين، وفقهاء ومريدين، ومنتسبين ومحبين، أسمى آيات الولاء والإخلاص، المشفوعين بالوفاء المستديم، والمحبة الخالصة، وامتنان الطريقة الكتانية وشكرها الجزيل لمولانا أمير المؤمنين، على رعاية جلالته السامية لها، سائلين المولى عز وجل، أن ينصر مولانا أمير المؤمنين نصرا عزيزا مؤزرا، ويديم على جلالته نعمة الصحة والعافية، ويحفظه بما حفظ به السبع المثاني، والقرآن العظيم، ويجعل روح القدس معه في حله وترحاله، وفي جميع حركاته وسكناته، وأن يبقيه المولى ذخرا للبلاد، وملاذا للعباد، قرير العين بصاحب السمو الملكي، ولي العهد المحبوب، الأمير الجليل مولاي الحسن، وبكريمته صاحبة السمو الملكي الأميرة الجليلة للا خديجة، أنبتهما الله نباتا حسنا في كنفه الرضي، ويشد أزره بصنوه السعيد صاحب السمو الملكي الأمير الجليل المولى الرشيد، وبشعبه المغربي النبيل، سميعا لكلماته، فخورا بإنجازاته، ملتفا حول عرشه، مستظلا بظله، محتميا بحماه. إن ربنا لسميع الدعاء.

 

اللهم إنّا نسألك إيماناً دائماً، ونسألك قلباَ خاشعاً، ونسألك علماً نافعاً، ونسألك يقيناً صادقاً،

ونسألك ديناً قيماً، ونسألك العافية من كل بليًة، ونسألك تمام العافية، ونسألُك دَوَام العافية،

ونسألُك الشكرَ عن العافية، ونسألك الغنى عن الناس.

اللهم أحسِنْ عاقبتنا في الأمور كلها وأجِرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

 

اللهم صل صلاة كاملة وسلم سلاما تاما على نبي تنحل به العقد، وتنفرج به الكرب، وتقضى به الحوائج، وتنال به الرغائب، وحسن الخواتم، ويستسقى الغمام بوجهه الكريم، وعلى آله وصحبه وسلم

 

اللهم أنت ربّي لا إله إلاّ أنت خلَقْتني وأنا عبدُك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوءُ لك بنعمتك عليَّ وأبوُء بذنبي فاغْفر لي، فإنه لا يغفر الذنوبَ إلاَّ أنت.

 

"الأنموذجية"

 

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

     ســلا، في:06 ربيع الأول 1438هـ (06 دجنبر 2016م)                        شيخ الطريقة الكتانية

                                                     عبد اللطيف الشريف الكـتـانـي

معالم الطريقة الكتانية المرشد المعين في الدلالة على أصولها وأورادها