تميز الدراسات الغربية الحديثة في ميدان الأنتربولوجيا وتاريخ الفكر والظواهر الثقافية، بين أنواع كثيرة من الممارسات في الثقافة والفكر الإسلاميين. وتم التمييز أيضا بين نوعين من الممارسة للدين الإسلامي فكرا وممارسة اجتماعية، وهما إسلام البادية وإسلام الحاضرة.

يبدو أن هذه المفاهيم أجنبية عن السياقات المحلية للفكر الإسلامي، لأن الإسلام دين كبقية الأديان ينتشر في البادية والحاضرة، بيد أن هذا الدين الذي كان آخر الأديان من حيث زمن النزول والانتشار في الأرض، كانت له رسالة عالمية. ويجدر بنا اليوم أن نعود إلى صورتين بارزتين في الممارسة الإسلامية فكرا وثقافة. ونعني بذلك الممارسة الأكاديمية والمرتبطة بالفكر الإسلامي علوما شرعية وعقيدة وحدودا وتعريفات في مستويات الدرس والبحث الجامعي وعلى مستوى النظر العقلي والإفتاء وهذه الممارسة خاصة بفئة من المجتمع من أهل الاختصاص والعقل الدارس والناظر والمتمحص في العلوم.

وأما الممارسة الأخرى وهي الممارسة الاجتماعية، ذات الطوابع الروحية، التي تنغرس في تلافيف المجتمع، إسلاما يعتمد على نشر معاني المحبة والهداية في صفوف الناس والعامة منهم على وجه الخصوص. ويرتبط هذا النمط من النظر إلى الدين بطوائف المريدين من أصحاب الطرق الصوفية الصادقة التي تبني أصول العشق الروحي وتنشر عبق المحبة الإنسانية، وترفض كل تعقب أو نظرة مقيتة، كما تنبذ هذه الممارسات الصوفية كل أنواع العنف وسائر أنواع دعواته، أيا كان إهابها الذي تتوشح به.

إن حاجتنا اليوم إلى هذه المعاني الصوفية ومعاني المحبة الإنسانية يعتبر إحدى الأولويات، التي يجب الحرص عليها، مادام الواقع العالمي قد جرب في حقول السياسة والعلاقات الدولية أنواعا من الحلول الجانحة إلى المفاوضات وإقامة الندوات وعقد الملتقيات من أجل رأب الصدع وجمع شتات الإنسانية المتناحرة والمتضاربة على المصالح والمكتسبات، وذلك بنية فرض أنماط من القهر والتعسف بغير حق واضح.

فالمعنى الصوفي والروحي الإنساني في الإسلام هو الذي سهرت مؤسسات الزوايا على نشره في البلاد العربية الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها، من أجل بث روح الأمان والاستقرار الديني في النفوس وتقريب المسافات بين القلوب حتى تكون القضية واحدة موحدة، وهي محبة الله تعالى ومحبة الإنسان في حدود إنسانيته الشاملة بعيدا عن تخوم الذات المنغلقة على نفسها والأقاليم الضيقة التي يعيش حالة من الاكتفاء الذاتي بمكتسباتها.

بأن الحاجة اليوم إلى نشر هذه النظرة الهادئة والمغيرة لوجه الصراع في عالمنا اليوم، تزداد يوما بعد يوم، لأن التغيير المشروع واللازم هو تغيير نفوس الناس وتقويم سلوكاتهم وتحويل الصراع من الحلبة إلى الذات من أجل بناء الشخصية المتزنة المنتجة والسالكة مسالك المحبة والهداية والعطف والتكافل الإنساني. فهذه المعاني هي التي قامت عليها الزوايا في بلد المغرب مثلا، عندما كان يشتد الحال بالناس في أزمنة القحط والمجاعات والوباء، كانت تهب الزوايا للقيام بعمل اجتماعي شامل، بحيث تطعم الأطفال والنساء والرضع والشيوخ وتطببهم بما يكون في متناولها من الطعام والدواء. كما تهب لنجدة المظلومين وحماية بيضة البلاد من العدو الغاشم، وتنشر كتاب الله وتعلم أصول الدين في معانيه الإنسانية الشاملة بعيدا عن أي نظرة تقليصية أو إقليمية ضيقة.


تتمة المقال

معالم الطريقة الكتانية المرشد المعين في الدلالة على أصولها وأورادها